صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
314
تفسير القرآن الكريم
نافذ فيه حكمه ، سار فيه أمره يصرفه كيف يشاء بالإحياء والإماتة . ( 2 ) ثم ذكر إن منشئ مملكة السماوات والأرض وبانيها مع تمادى أزمنة بقائها واتّساع أمكنة أرضها وسمائها - مما لا يغيب عنده زمان عن زمان ولا يفوت لديه مكان عن مكان ، بل جميع الأزمنة والزمانيات لاحاطته القيومية في حكم آن واحد في الحضور لديه ، وكافة الأمكنة والكائنات بتمامية الإلهية في حكم نقطة واحدة في المثول بين يديه ، من غير تطرق تجدّد وتغيّر في ذاته أو احتمال تجزّ وتكثّر ( تجبّر وتكسّر - ن ) في صفاته ، وذلك لأنه هو الأول في عين آخريّته ، وهو الظاهر في عين باطنيّته ، ولما كان هذا مستلزما لشمول علمه بجميع الموجودات وإحاطة شهوده بجملة الكائنات ذكر عقيبه : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ( 4 ) ثم أشير إلى أن علمه بكل شيء بنحو العلم بأسباب ذلك الشيء وعلله - الذي هو أجلّ مراتب العلم وأوثقها وأتقنها - ليعلم أن عالميّته بالأشياء بأي نحو من ضروب العالميّة ، وليعلم أنه ليس بإحساس ولا بانفعال ، وإلا يلزم استكمال الكامل بالناقص ، وانفعال العالي عن السافل ، فذكر إنه مبدع الأشياء ، وخالق الأرض والسماء في أقل من عدد كامل - هو السبعة 197 - أعني الستّة . ثم لمّا كان أسباب وجود الكائنات وشرائط حفظها وبقائها من الأرزاق والآجال ينزل من عنده بواسطة السماوات وقواها المحركة لها شوقا إلى طاعة بارئها فنون الحركات وصنوف اختلاف الأوضاع والنسب التي تنشأ منها الكائنات ، وينبعث منها الحيوان والنبات على ما جرت عليه سنّة اللّه التي لا تبديل لها ، وجملة المتحركات السماوية والأكر الكوكبية في فلك واحد عظيم مشتمل على الجميع اشتمال الشخص الإنساني على أعضائه وجوارحه وأركانه ، هو المحدد بجسميّته للجهات والأبعاد ، وبمقدار حركته للأزمنة والحركات ، فهو بنفسه وعقله يدبّر الكل ويسوس الجميع بإذن مبدعة ومحركه ومدوّره وموجد نفسها ومحركها ، تحريكا شوقيا بالحركات النفسانية ، والأوراد والأذكار القدسية ، والانتقالات العلمية ، والطاعات الملكية ، كل ذلك تشوقا إلى جنابه ، وتقربا إلى طاعته ، وامتثالا لأمره ،